قد يوقّع مدير مشروع أو شريك أو وسيط عقدًا ويقول للطرف الآخر: «سأجعل المالك يوافق»، أو «الشركة التابعة ستنفذ»، أو «المستثمر سيشتري الحصة». إذا لم يكن ذلك الغير طرفًا في العقد ولم يمنح الموقّع وكالة عنه، فهل يصبح ملزمًا بمجرد هذا الوعد؟ الإجابة المختصرة: لا. التعهد عن الغير ينشئ التزامًا على المتعهد نفسه بمحاولة الحصول على التزام الغير، لكنه لا يفرض العقد على شخص لم يوقعه أو يقبله.
وتظهر أهمية المسألة عندما يعتمد المتعهد له على الوعد، فيدفع عربونًا أو يوقف تفاوضًا آخر أو يبدأ تجهيزات مكلفة، ثم يرفض الغير الانضمام. عندها يجب تمييز ثلاثة مراكز: المتعهد، والمتعهد له، والغير الذي طُلبت موافقته. لكل واحد منها أثر مختلف، ولا يكفي استخدام كلمات مثل «ضامن» أو «مفوّض» من دون فحص المستندات.
ما المقصود بالتعهد عن الغير في السعودية؟
التعهد عن الغير هو اتفاق يلتزم فيه شخص أمام آخر بأن يحمل شخصًا ثالثًا على قبول أمر أو عقد أو التزام. مثال ذلك أن يتعهد شريك بالحصول على موافقة بقية الشركاء على صفقة، أو أن يعد مقاول رئيسي بأن يوقع مورد مستقل عقد التوريد، أو أن يلتزم وسيط بإحضار موافقة مالك العقار.
القاعدة الأساسية أن آثار العقد لا تُحمّل الغير التزامًا لم يرضَ به. وقد قررت المادتان 99 و100 من نظام المعاملات المدنية السعودي أن العقد لا يرتب التزامًا في ذمة الغير، وأن من يتعهد بجعل الغير يلتزم بأمر لا يُلزم ذلك الغير بتعهده.
لذلك لا يستطيع المتعهد له مطالبة الشخص الثالث بالتنفيذ لمجرد وجود اسمه في عقد بين شخصين آخرين. لكنه يستطيع الرجوع على المتعهد وفق نطاق وعده والضرر المثبت إذا رفض الغير، مع مراعاة إمكان قيام المتعهد نفسه بالتنفيذ عندما تسمح طبيعة الالتزام بذلك.
من هو المسؤول عند رفض الغير؟
الغير لا يُجبر على القبول
إذا لم يوقع الغير، ولم يصدر منه قبول، ولم تكن هناك وكالة صحيحة تلزمه، يبقى خارج العلاقة التعاقدية. مجرد القرابة أو الشراكة أو السيطرة الإدارية أو التعامل السابق لا يحل محل الرضا. كما أن إرسال مسودة إليه أو ذكر أنه «موافق مبدئيًا» لا يكفي دائمًا لإثبات التزام نهائي.
المتعهد قد يتحمل التعويض
إذا رفض الغير التعهد، يلزم المتعهد بتعويض المتعهد له إذا كان لذلك مقتضٍ. وهذا لا يعني تعويضًا تلقائيًا أو مبلغًا مفترضًا؛ بل يلزم تحديد الإخلال والضرر والعلاقة السببية. فقد يكون الضرر مصروفات تجهيز معقولة أو خسارة ترتبت مباشرة على الاعتماد على التعهد، بينما لا تُقبل المطالبات المبالغ فيها أو غير المرتبطة بالرفض.
وإذا تضمّن العقد تقديرًا مسبقًا للتعويض، فينبغي فحص ضوابط الشرط الجزائي والتعويض الاتفاقي بدل افتراض استحقاق الرقم كاملًا لمجرد الرفض.
التنفيذ بواسطة المتعهد قد يمنع التعويض
يتيح النظام للمتعهد أن يتخلص من التعويض بأن ينفذ بنفسه الالتزام الذي تعهد به، إذا كان التنفيذ ممكنًا. هذه الإمكانية تتوقف على طبيعة الأداء. دفع مبلغ أو توريد سلعة يملكها المتعهد قد يكون ممكنًا، أما نقل ملكية مال يملكه الغير أو إصدار قرار لا يملكه إلا مجلس إدارة مستقل فلا يستطيع المتعهد تنفيذه بدلًا عنه.
ماذا يحدث إذا وافق الغير لاحقًا؟
إذا قبل الغير التعهد أصبح ملتزمًا بقبوله، لكن الأصل أن أثر القبول يبدأ من وقت صدوره. فلا يُفترض رجوع الأثر إلى يوم توقيع التعهد الأول إلا إذا ظهر صراحة أو ضمنًا أن الغير قصد إسناد قبوله إلى ذلك الوقت.
عمليًا، ينبغي أن يحدد مستند القبول تاريخ النفاذ، والالتزامات التي قبلها الغير، وما إذا كان يتبنى الأعمال السابقة، ومن يتحمل المصروفات التي نشأت قبل قبوله. الغموض هنا قد يحول خلافًا بسيطًا حول التاريخ إلى نزاع في المقابل والتسليم والتعويض.
الفرق بين التعهد عن الغير والوكالة والكفالة
التعهد عن الغير والوكالة
الوكيل يتصرف في حدود سلطة ممنوحة له نيابة عن الأصيل، فإذا ثبتت الوكالة وصحة التصرف انصرف أثره إلى الأصيل. أما المتعهد عن الغير فيتعاقد باسمه ويلتزم بأن يحصل على قبول شخص آخر، من دون أن تكون لديه بالضرورة سلطة تمثيله. لذلك يجب طلب الوكالة أو قرار التفويض بدل الاكتفاء بالصفة الوظيفية.
عند إعداد الصفقة، تساعد مراجعة بنود العقد التجاري على فصل عبارة التمثيل والوكالة عن مجرد الوعد بالحصول على الموافقة.
التعهد عن الغير والكفالة
الكفيل يضمن التزام مدين قائم وفق نطاق الكفالة، بينما التعهد عن الغير قد يسبق أصل التزام الشخص الثالث؛ فالغير لم يقبل بعد. ولا يتحول المتعهد إلى كفيل تلقائيًا، إلا إذا كشفت الصياغة عن التزام مستقل بضمان الأداء أو الدفع. لهذا تختلف الدفوع عن تلك التي تُبحث عند مطالبة الكفيل بالدين.
التعهد عن الغير وحوالة الحق
حوالة الحق تنقل حقًا قائمًا من دائن إلى آخر، ولا تقوم على وعد بإلزام شخص ثالث بصفقة جديدة. فإذا تغيّر صاحب المطالبة، فالمسألة أقرب إلى حوالة الحق وتحديد من يستحق الوفاء، لا إلى التعهد عن الغير.
أين يظهر التعهد عن الغير في المعاملات العملية؟
تتكرر هذه الصيغة في معاملات الشركات والعقار والمقاولات، ومنها:
- تعهد شريك بالحصول على موافقة الجمعية أو الشركاء على بيع أصل.
- وعد مستأجر قائم بأن يوقع مستأجر بديل عقدًا مع المالك.
- تعهد مقاول بالحصول على قبول مورد أو مقاول باطن لشروط محددة.
- وعد شركة أم بأن تدخل شركة تابعة في مشروع أو اتفاقية.
- تعهد وسيط بأن يوافق المالك على السعر أو مدة العقد.
- وعد وريث بأن يوقع بقية الورثة على بيع مال مشترك.
في الإيجار التجاري مثلًا، لا يكفي أن يعد المستأجر بأن البديل سيحل محله؛ بل يلزم تنظيم موافقة المالك والعقد الجديد وآثار الإخلاء. ولهذا يرتبط الفحص عمليًا بموضوع إخلاء المستأجر التجاري قبل نهاية العقد.
كيف تصاغ عبارة التعهد بصورة واضحة؟
الصياغة الجيدة لا تقول فقط «يتولى الطرف الأول أخذ الموافقة»، بل تجيب عن أسئلة قابلة للإثبات:
- من هو الغير المقصود بالاسم والصفة؟
- ما الالتزام المطلوب قبوله بدقة؟
- ما المستند الذي يُعد قبولًا صحيحًا؟
- ما الموعد المحدد للحصول على القبول؟
- هل الاتفاق معلق على الموافقة أم نافذ بين طرفيه فورًا؟
- ما أثر الرفض على العربون والمصروفات والضمانات؟
- هل يستطيع المتعهد تنفيذ الالتزام بنفسه؟
- هل قبول الغير يسري من يومه أم من تاريخ التعهد؟
ويجب تجنب جمع أكثر من وصف متعارض في بند واحد، مثل وصف الشخص بأنه وكيل وضامن ومتعهد بالحصول على الموافقة من دون تحديد المقصود. المحكمة تنظر إلى حقيقة الالتزام والعبارات والوقائع، لا إلى عنوان البند وحده.
ما الأدلة المهمة عند وقوع النزاع؟
يُبنى الملف على العقد والملحقات والمراسلات التي تثبت نطاق التعهد ومحاولات الحصول على القبول. ومن المفيد جمع:
- نسخة العقد وجميع المسودات ذات الصلة.
- الوكالات وقرارات التفويض أو ما يثبت عدم وجودها.
- رسائل الغير التي تتضمن قبولًا أو رفضًا أو شروطًا جديدة.
- الفواتير والمبالغ التي أُنفقت اعتمادًا على التعهد.
- إثبات قدرة المتعهد أو عدم قدرته على تنفيذ الأداء بنفسه.
- الإنذارات التي تحدد المطلوب والمهلة والنتيجة.
إذا تعذر الحصول على الموافقة، ينبغي إرسال إشعار منضبط قبل اتخاذ قرار الفسخ أو المطالبة، مع مراعاة أحكام الإعذار قبل فسخ العقد بحسب صياغة الاتفاق والطلب المقصود.
أسئلة شائعة
هل يلزم الشخص الثالث بعقد لم يوقعه؟
الأصل أنه لا يُلزم لمجرد تعهد شخص آخر بالحصول على موافقته. يلزم فحص وجود قبول صادر منه أو وكالة صحيحة أو أساس نظامي آخر.
هل قبول الغير يسري من تاريخ العقد الأول؟
الأصل أن أثر القبول يبدأ من وقت صدوره، إلا إذا ظهر أن الغير قصد صراحة أو ضمنًا إسناد أثر قبوله إلى وقت التعهد.
هل يستحق التعويض بمجرد رفض الغير؟
ليس بصورة آلية. يجب أن يكون للتعويض مقتضٍ، وأن يثبت الضرر وعلاقته بالإخلال ونطاق التعهد، مع مراعاة إمكان تنفيذ المتعهد للالتزام بنفسه.
هل توقيع مدير الشركة يلزم شركة أخرى تابعة للمجموعة؟
لا لمجرد الانتماء إلى المجموعة. يجب التحقق من الشخصية الاعتبارية لكل شركة وسلطة الموقّع والقرار أو الوكالة التي تمنحه حق تمثيلها.
هل التعهد عن الغير هو نفسه ضمان تنفيذ الغير؟
ليس بالضرورة. قد يقتصر على الحصول على القبول، وقد تتضمن الصياغة ضمانًا مستقلًا أوسع. تحديد الأثر يتطلب قراءة العبارة والعقد كاملًا.
الخلاصة
التعهد عن الغير في السعودية لا يجعل الشخص الثالث ملتزمًا من دون قبوله، لكنه يرتب مسؤولية على من أصدر التعهد ضمن حدوده. إذا وافق الغير بدأ أثر القبول من وقت صدوره ما لم يقصد الرجوع به إلى تاريخ التعهد، وإذا رفض فقد يلتزم المتعهد بالتعويض، أو ينفذ الأداء بنفسه متى كان ذلك ممكنًا. وأفضل حماية عملية هي تحديد الغير والالتزام وموعد الموافقة وأثر الرفض كتابةً، مع حفظ التفويضات والمراسلات والمصروفات.
تنبيه: هذا المحتوى معلومات قانونية عامة، ولا يغني عن استشارة قانونية خاصة تراعي نص العقد وصفة الأطراف والوكالات والوقائع الفعلية.