قد تطالب شركة عميلًا بمائة ألف ريال، بينما يكون للعميل عليها في الوقت نفسه مبلغ مستحق قدره ستون ألفًا بسبب عقد آخر. هل يدفع كل طرف كامل دينه ثم يسترد حقه، أم يجوز اختصار العمليتين وإبقاء الفرق فقط؟ هنا تظهر المقاصة بين الديون في السعودية بوصفها وسيلة لانقضاء دينين متقابلين بقدر الأقل منهما، متى اكتملت الشروط النظامية أو اتفق الطرفان على المقاصة.
المقاصة ليست خصمًا محاسبيًا يقرره طرف واحد كيفما شاء، ولا تصلح لكل مطالبة متنازع عليها. يجب فحص أطراف الدينين واستحقاقهما ومحلهما وقابليتهما للمطالبة والحجز، مع حماية الحقوق التي اكتسبها الغير. كما أن التمسك بها وتوقيته وتوثيق الرصيد أمور قد تحسم أثرها في الدعوى أو التسوية.
ما المقصود بالمقاصة بين الديون؟
المقاصة هي انقضاء دينين متقابلين بين شخصين بمقدار الأقل منهما. يكون كل طرف دائنًا للآخر ومدينًا له في الوقت ذاته، فتُقابل المطالبتان بدل تنفيذ دفعتين منفصلتين. إذا تساوى الدينان انقضيا، وإذا اختلفا بقي الجزء الزائد مستحقًا لصاحبه.
وقد نظم نظام المعاملات المدنية السعودي الساري المقاصة في المواد من الحادية والثمانين إلى التاسعة والثمانين بعد المائتين، فحدد شروطها وطريقة التمسك بها وأثرها، وأجاز المقاصة الاتفاقية عند تخلف أحد الشروط، ومنع إضرارها بحقوق الغير.
ما شروط المقاصة النظامية في السعودية؟
وجود دينين متقابلين بين الطرفين
يجب أن يكون الشخص مدينًا لدائنه، وله في الوقت نفسه حق مستحق تجاه الدائن نفسه. فلو كان الدين لأحد فروع المجموعة والحق على شركة أخرى مستقلة، لم تتحقق المقابلة لمجرد وجود إدارة أو مالك مشترك. وينبغي التحقق من الاسم النظامي والصفة التي تعاقد بها كل طرف.
قد يختلف سبب الدينين؛ كأن ينشأ أحدهما عن توريد والآخر عن أجرة خدمة أو رد مبلغ. اختلاف السبب لا يمنع المقاصة بذاته، ما دامت الشروط الأخرى قائمة. وإذا كان أصل إحدى المطالبتين غير ثابت فقد يفيد دليل إجراءات دعوى المطالبة المالية في ترتيب العقد والفواتير والإقرارات وكشف الحساب.
أن يكون الدينان مستحقي الأداء
لا تقع المقاصة النظامية بين دين حال وآخر لم يحن أجله؛ لأن أحد الطرفين سيُحرم من الأجل الممنوح له. لذلك يجب تحديد تاريخ استحقاق كل مطالبة بدقة، وقراءة أي ملحق أو تمديد أو شرط يربط الاستحقاق بالتسليم أو القبول أو صدور فاتورة.
إذا لم يكن أحد الدينين مستحقًا، يستطيع الطرفان بحث المقاصة باتفاق واضح. لكن لا يجوز تحويل عرض تسوية أو جدول سداد إلى مقاصة ملزمة دون موافقة الطرف الآخر.
تماثل محل الدينين
يشترط أن يكون موضوع كل دين نقودًا، أو أشياء متماثلة في النوع والصفة. المقاصة النقدية هي الصورة الأكثر شيوعًا. أما إذا كان أحد الالتزامين مبلغًا والآخر تسليم أصل معين أو أداء عمل متخصص، فلا تتحقق المقاصة النظامية بهذه الصورة لمجرد إمكان تقدير العمل أو الأصل بالمال.
خلو الدينين من النزاع
يجب أن يكون كل دين خاليًا من النزاع. فإذا أنكر الطرف الآخر أصل الفاتورة أو المقدار أو الاستحقاق ووجد نزاع حقيقي، فلا يصح اختصار الإثبات بقول «أجريت المقاصة». يلزم أولًا تحليل سبب النزاع، وقد تنظر المحكمة في أصل الحق والدفوع والطلبات المتقابلة.
ليس كل اعتراض مكتوب كافيًا لتعطيل الحق؛ العبرة بحقيقة المنازعة ومستنداتها. وتفيد العقود ومحاضر الاستلام والمراسلات وكشوف الحساب في تحديد ما إذا كان الرصيد ثابتًا. ويمكن أن تكون صحيفة الدعوى أمام المحكمة التجارية إطارًا لتحديد المطالبة الأصلية والدفع بالمقاصة والطلبات المتصلة بها بحسب الاختصاص والواقعة.
صلاحية الدينين للمطالبة القضائية وقابليتهما للحجز
اشترط النظام أن يكون كل دين صالحًا للمطالبة به قضاءً وقابلًا للحجز. فالمقاصة لا تتحول إلى طريق غير مباشر لاقتطاع حق لا يجوز الحجز عليه أو لم يعد صالحًا للمطالبة القضائية وفق القواعد المطبقة، مع مراعاة الحكم الخاص بمرور الزمن الذي سيأتي بيانه.
هل تقع المقاصة تلقائيًا؟
لا تقع المقاصة إلا إذا تمسك بها من له مصلحة فيها. لذلك يجب ألا يفترض المحاسب أو المدير أن مجرد ظهور رصيدين متقابلين أغلقهما قانونًا من دون موقف واضح. وفي الخصومة ينبغي عرض المقاصة في الوقت والطريق المناسبين، مع بيان الدينين وتاريخ صلاحيتهما ومقدار الأقل والرصيد المتبقي.
كما قرر النظام أنه لا يصح النزول عن المقاصة قبل ثبوت الحق فيها. والمقصود حماية الحق قبل اكتمال شروطه؛ أما بعد ثبوته فيجب فحص ما صدر من صاحبه من اتفاق أو إقرار أو وفاء وتحديد أثره.
ما أثر المقاصة على مقدار الدين؟
يترتب على المقاصة انقضاء الدينين بمقدار الأقل منهما منذ الوقت الذي أصبحا فيه صالحين للمقاصة. مثال ذلك: إذا كان «أ» مدينًا لـ«ب» بمائة ألف ريال، وكان «ب» مدينًا لـ«أ» بستين ألفًا، واكتملت الشروط، انقضى ستون ألفًا من كل دين وبقي لـ«ب» أربعون ألف ريال.
ويجب حساب الأثر من تاريخ اجتماع شروط المقاصة، لا بالضرورة من تاريخ كتابة المذكرة التي تمسك بها صاحب المصلحة. لهذا يؤثر تاريخ الاستحقاق وانتفاء النزاع وقابلية المطالبة في تحديد الرصيد، وقد ينعكس على ما تم بعد ذلك من سداد أو تحويل أو حجز.
ما المقاصة الاتفاقية؟
إذا تخلف شرط من الشروط النظامية، فلا تقع المقاصة إلا باتفاق الطرفين. قد يتفقان مثلًا على مقابلة دين حال بدين مؤجل، أو تسوية مطالبة ما تزال بحاجة إلى تقدير. قوة هذا المسار في أنه ينهي الخلاف برصيد واضح، لكن صياغته يجب أن تمنع نشوء نزاع جديد.
ويُستحسن أن يتضمن الاتفاق:
- وصف كل دين ومصدره ورقمه ومقداره.
- تاريخ اعتماد المقاصة والمبلغ الذي ينقضي من كل دين.
- الرصيد المتبقي وطريقة سداده وأجله.
- بيان هل التسوية نهائية أم تحفظ حقوقًا محددة.
- معالجة الضمانات والمستندات الأصلية والفواتير.
- توقيع أصحاب الصلاحية عن المنشآت.
إذا كانت إحدى المطالبتين ناتجة عن دفع بلا سند، فقد يلزم أولًا تمييزها عن الإثراء بلا سبب واسترداد غير المستحق. ثبوت سبب الحق يسبق الاتفاق على مقابلته بدين آخر.
هل اختلاف مكان الوفاء يمنع المقاصة؟
يجوز للمدين التمسك بالمقاصة ولو اختلف مكان الوفاء في الدينين. لكن عليه أن يعوض الدائن عما لحقه من ضرر بسبب عدم تمكنه، نتيجة المقاصة، من استيفاء حقه أو الوفاء بدينه في المكان المعين. وهذا يمنع استخدام المقاصة لتحميل الطرف الآخر تكلفة أو خسارة مرتبطة بالمكان دون معالجة.
كيف تحمي المقاصة حقوق الغير؟
لا يجوز أن تقع المقاصة إضرارًا بحقوق كسبها الغير. فقد يكون شخص ثالث قد اكتسب حقًا في أحد الدينين قبل التمسك بالمقاصة، أو وقع إجراء يؤثر في الرصيد. عندها لا يكفي النظر إلى الحساب بين الطرفين وحدهما؛ بل يجب فحص تاريخ حق الغير ونفاذه وترتيبه.
كما أن من أدى دينًا مع أن له حقًا صالحًا للمقاصة لا يستطيع بعد الوفاء أن يتمسك بضمانات حقه بما يضر الغير، إلا إذا كان يجهل وجود الحق وقت الوفاء وكان له عذر مقبول. لذلك ينبغي فحص المقاصة قبل الدفع، لا بعد خروج المال وانتقال المراكز.
حالات لا تقع فيها المقاصة إلا بالاتفاق
إذا كان للمودع لديه دين على المودع، فلا يقاص دينه بالوديعة ويلغي واجب ردها بعينها، ولو كان الدين من نوعها، إلا باتفاق الطرفين. وكذلك المستعير إذا كان له دين على المعير، فلا يقاصه بالشيء المعار إلا باتفاق. والسبب أن الوديعة والعارية قائمتان على رد الشيء الذي تسلمه الشخص لغرض محدد.
وقد يملك من بيده المال وسيلة أخرى في حالات مختلفة، مثل حق حبس المال ضمانًا للوفاء عند اكتمال شروطه، لكنه ليس مقاصة ولا يساوي تملك الشيء أو إسقاط واجب رده.
المقاصة ومرور الزمن
إذا كان أحد الدينين وقت التمسك بالمقاصة لا تُسمع الدعوى به لمرور الزمن، فلا يمنع ذلك المقاصة بشرط أن تكون شروطها قد اكتملت قبل مرور المدة. لذلك لا يكفي السؤال عن وضع الدين يوم تقديم الدفع؛ يجب الرجوع إلى التاريخ الذي أصبح فيه الدينان صالحين للمقاصة.
هذه القاعدة دقيقة ولا تعني إحياء كل مطالبة قديمة. يجب إثبات أن الشروط، بما فيها الاستحقاق وخلو النزاع وصلاحية المطالبة، اجتمعت قبل اكتمال مدة عدم السماع.
الفرق بين المقاصة واتحاد الذمة والوفاء
في المقاصة يوجد دينان متقابلان بين شخصين، وينقضيان بقدر الأقل. أما اتحاد الذمة وانقضاء الدين فيقع عندما تجتمع صفتا الدائن والمدين في شخص واحد بالنسبة إلى دين واحد. والوفاء هو تنفيذ الدين بدفع أو أداء مستحق، وليس مقابلة رصيدين.
كما يجب التأكد من أن الوفاء وصل إلى صاحب الصفة؛ فموضوع الدفع لشخص غير الدائن يختلف عن المقاصة، لأن النزاع فيه يدور حول صحة الوفاء ومن تسلم المال.
خطوات عملية قبل التمسك بالمقاصة
- حدد طرفي كل دين وصفة كل منهما.
- اجمع العقود والفواتير والإقرارات وكشوف الحساب.
- ثبت تاريخ استحقاق كل دين ومقداره.
- افحص وجود نزاع حقيقي وقابلية المطالبة والحجز.
- احسب مقدار الأقل والرصيد المتبقي وتاريخ الأثر.
- تحقق من حقوق الغير وأي حوالة أو حجز أو وفاء سابق.
- تمسك بالمقاصة كتابةً أو وثق الاتفاق إذا نقص شرط.
أسئلة شائعة
هل يجوز إجراء المقاصة إذا اختلف سبب الدينين؟
نعم، اختلاف السبب لا يمنعها، متى توافرت بقية الشروط النظامية.
هل يجوز خصم فاتورة متنازع عليها؟
المقاصة النظامية تشترط خلو الدينين من النزاع. ويمكن بحث أصل الحق أمام الجهة المختصة أو الاتفاق على مقاصة وتسوية واضحة.
هل يجب أن يتساوى الدينان؟
لا. ينقضيان بقدر الأقل، ويبقى الفرق مستحقًا لصاحب الدين الأكبر.
هل الدين المؤجل يدخل في المقاصة؟
يشترط الاستحقاق للمقاصة النظامية، لكن يستطيع الطرفان الاتفاق على المقاصة عند تخلف هذا الشرط.
هل المقاصة تقع تلقائيًا في حسابات الشركات؟
لا تقع إلا إذا تمسك بها صاحب مصلحة، ويجب توثيق الدينين وتوافر الشروط أو وجود اتفاق صحيح.
الخلاصة
المقاصة بين الديون في السعودية تختصر الوفاء عندما يكون لكل طرف دين مستحق على الآخر، لكنها تتطلب مقابلة صحيحة وتماثل المحل وخلو الدينين من النزاع وصلاحيتهما للمطالبة والحجز. أثرها انقضاء الدينين بقدر الأقل من وقت اكتمال الشروط، مع بقاء الفرق. وإذا نقص شرط فلا تقع إلا باتفاق، ولا يجوز استخدامها للإضرار بحقوق الغير أو اقتطاع الوديعة أو الشيء المعار دون موافقة.
تنبيه: هذا المحتوى معلومات قانونية عامة، ولا يغني عن استشارة قانونية خاصة تراعي العقود والمستندات وحالة كل دين.